علي بن أحمد الحرالي المراكشي
185
تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي
من الخلق مهتد به ، ومعرض عنه ، بعث الله النبيئين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة ، وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية ، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك ، وشغلته شهوات دنياه فترتب لذلك خطاب الكتاب ؛ بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين ، وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين ، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأيمة المهتدين والمؤتمون بهم ، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأيمة وسيد السادات ، وأحظى خلق الله عند الله ، محمد ، - صلى الله عليه وسلم - ، فكان أول الخطاب ب { ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ } إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول ، كما قال عليه السلام : " أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول " وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه ، وكتب في الذكر الأول كل شيء ، فخاطبه الله ، عز وجل ، بما في الذكر الأول ، وأنزله قرآنا ، ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ، ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته ، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد ، - صلى الله عليه وسلم - ، انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة ، تنبها لمن أعرض عن الاستفادة بنور العقل ، لما بين الطرفين من تناسب التقابل . ثم عاد وجه الخطاب إليه ، - صلى الله عليه وسلم - ، بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ، ليكون ذلك ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل ، كما كانت آية الدعوة تنبيها للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال ، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته ، وغائب أيام الله الماضية ، ومنتظر أيام الله الآتية ، فذلك